الغزالي
405
إحياء علوم الدين
ويتحقق أن فضل الله عليه فيما زواه عنه أكثر من فضله فيما أعطاه ، كما سيأتي في كتاب الفقر تحقيقه وبيانه إن شاء الله تعالى . فليأخذ ما يأخذه من الله سبحانه رزقا وعونا له على الطاعة . ولتكن نيته فيه أن يتقوى به على طاعة الله ، فإن لم يقدر عليه فليصرفه إلى ما أباحه الله عز وجل ، فان استعان به على معصية الله كان كافرا لأنعم الله عزّ وجل ، مستحقا للبعد والمقت من الله سبحانه الثانية : أن يشكر المعطى ويدعو له ويثنى عليه ، ويكون شكره ودعاؤه بحيث لا يخرجه عن كونه واسطة ، ولكنه طريق وصول نعمة الله سبحانه إليه ، وللطريق حق من حيث جعله الله طريقا وواسطة ، وذلك لا ينافي رؤية النعمة من الله سبحانه ، فقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « من لم يشكر النّاس لم يشكر الله » وقد أثنى الله عز وجل على عباده في مواضع على أعمالهم وهو خالقها وفاطر القدرة عليها ، نحو قوله تعالى : * ( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّه أَوَّابٌ ) * « 1 » إلى غير ذلك ، وليقل القابض في دعائه : طهر الله قلبك في قلوب الأبرار ، وزكى عملك في عمل الأخيار ، وصلَّى على روحك في أرواح الشهداء . وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتّى تعلموا أنّكم قد كافأتموه » ومن تمام الشكر أن يستر عيوب العطاء إن كان فيه عيب ، ولا يحقره ، ولا يذمه ، ولا يعبره بالمنع إذا منع ، ويفخم عند نفسه وعند الناس صنيعه ، فوظيفة المعطى الاستصغار ، ووظيفة القابض تقلد المنة والاستعظام ، وعلى كل عبد القيام بحقه ، وذلك لا تناقض فيه ، إذ موجبات التصغير والتعظيم تتعارض ، والنافع للمعطي ملاحظة أسباب التصغير ، ويضره خلافه ، والأخذ بالعكس منه : وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من الله عز وجل ، فإن من لا يرى الواسطة واسطة فقد جهل وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلا الثالثة : أن ينظر فيما يأخذه ، فإن لم يكن من حل تورع عنه * ( ومن يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ويَرْزُقْه من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) * « 2 » ولن يعدم المتورع عن الحرام فتوحا من الحلال ،
--> « 1 » ص : 44 « 2 » الطلاق : 2 ، 3